الثعلبي
89
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وتعذرهم ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم ، رغبوا عني وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين » فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك فتصدّق بها عنا وطهّرنا واستغفر لنا . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » [ 53 ] فأنزل الله عزّ وجل : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الآية « 1 » . واختلفوا في أعداد هؤلاء الناس وأسمائهم فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة ، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أبو [ منية ] : منهم هلال وأبو لبابة وكردم ومرداس وأبو قيس ، وقال قتادة والضحاك : كانوا سبعة منهم جد بن قيس وأبو لبابة وجذام وأوس ، كلّهم من الأنصار . وقال عطية عن ابن عباس : كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة ، وقال آخرون : نزلت في أبي لبابة واختلفوا في ذنبه . فقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى رقبته ، وقد مضت القصة في سورة الأنفال . فندم وتاب فأقرّ بذنبه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية . قال الزهري : نزلت في تخلّفه عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية فقال : والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ . فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتّى خرّ مغشيا عليه فأنزل الله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية فقيل له : قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال : والله لا أحل نفسي منها حتى يكون رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم هو الذي يحلّني ، فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلّم فحلّه بيده ، ثمّ قال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أبرّ دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله ، فقال : « يجزيك يا أبا لبابة الثلث » [ 54 ] « 2 » . قالوا جميعا : وأخذ رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم منهم ثلث أموالهم وترك الاثنين لأن الله عزّ وجلّ قال : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ولم يقل : أموالهم ، فذلك لم يأخذ كلها . وقال الحسن وقتادة : هؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلّفوا تطهرهم بها من ذنوبهم والقراءة بالرفع حالا لا جوابا ، أي خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً مطهرة ومزكّية كقول الحطيئة : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقف
--> ( 1 ) أسباب نزول الآيات : 174 . ( 2 ) جامع البيان للطبري : 11 / 22 .